أبي الفرج الأصفهاني

17

الأغاني

فقال الكميت : بئس الرّأي ! أضيع دمي بين صبيّ وامرأة ! فهل غير هذا ؟ قال : نعم ، مات معاوية ابن أمير المؤمنين وكان يحبّه ، وقد جعل أمير المؤمنين على نفسه أن يزور قبره في كل أسبوع يوما - وسمّى يوما بعينه - وهو يزوره في ذلك اليوم ، فامض فاضرب بناءك عند قبره ، واستجر به ، فإني سأحضر معه وأكلَّمه بأكثر من الجوار . استجارته بقبر معاوية بن هشام ففعل ذلك الكميت في اليوم الذي يأتيه فيه أبوه ، فجاء هشام ومعه مسلمة ، فنظر إلى البناء ، فقال لبعض أعوانه : انظر ما هذا ، فرجع فقال : الكميت بن زيد مستجير بقبر معاوية ابن أمير المؤمنين . فأمر بقتله ، فكلَّمه مسلمة وقال : يا أمير المؤمنين ، إنّ إخفار الأموات عار على الأحياء ، فلم يزل يعظَّم عليه الأمر حتى أجاره . خروج الجعفرية على خالد وهو يخطب وتحريفهم فحدثنا محمد بن العباس اليزيديّ ، قال : حدثنا سليمان بن أبي شيخ ، قال : حدثنا حجر بن عبد الجبّار ، قال : خرجت الجعفرية على خالد بن عبد اللَّه القسريّ وهو يخطب على المنبر وهو لا يعلم بهم ، فخرجوا في التبابين [ 1 ] ، ينادون : لبّيك جعفر ، لبّيك جعفر ! وعرف خالد خبرهم ، وهو يخطب على المنبر ، فدهش فلم يعلم ما يقول فزعا ، فقال : أطعموني ماء ، ثم خرج الناس إليهم فأخذوا ، فجعل يجيء بهم إلى المسجد ويؤخذ طنّ [ 2 ] قصب فيطلى بالنّفط ، ويقال للرجل احتضنه ، ويضرب حتى يفعل ، ثم يحرق ، فحرّقهم جميعا . تعريضه بخالد فلما قدم يوسف بن عمر دخل عليه الكميت وقد مدحه بعد قتله زيد بن عليّ ، فأنشده قوله فيه : خرجت لهم تمشي البراح ولم تكن كمن حصنه فيه الرّتاج المضبّب [ 3 ] وما خالد يستطعم الماء فاغرا بعدلك والدّاعي إلى الموت ينعب الجند يقتلونه تعصبا لخالد قال : والجند قيام على رأس يوسف بن عمر ، وهم يمانية ، فتعصّبوا لخالد ، فوضعوا ذباب سيوفهم في بطن الكميت ، فوجئوه [ 4 ] بها ، أتنشد الأمير ولم تستأمره ! فلم يزل الدّم حتى مات . اعتذاره لهشام من ذنبه وأخبرني عمّي ، قال : حدثنا يعقوب بن إسرائيل ، قال : حدثنا إبراهيم بن عبد اللَّه الطلحيّ عن محمد بن سلمة بن أرتبيل ، قال : / لما دخل الكميت بن زيد على هشام ، سلَّم ثم قال : يا أمير المؤمنين ، غائب آب ، ومذنب تاب ، محا

--> [ 1 ] التبابين : جمع تبان ، وهو سراويل صغير يكون للملاحين والمصارعين ، وتشبه أن تكون البيانيين وهم أتباع بيان فقد ورد في « الطبري » حوادث سنة 119 خروجهم على خالد وتحريقه لهم . [ 2 ] طن القصب ، بضم الطاء : الحزمة منه . [ 3 ] الرتاج : الباب العظيم ؛ والمضبب : المغلق . [ 4 ] وجئوه : ضربوه .